الراغب الأصفهاني

81

الذريعة إلى مكارم الشريعة

تعاون القوى الروحانية وكيفية إدراكها « 1 » القوى الروحانية متعاونات « 2 » في إدراكهن لرسوم المعلومات ، فإن الخيال يتصور عن المحسوس فتبقى فيه صورته الروحانية فينتقش بها كما تنقش الشمع بصورة الختم ، ثم يأخذها الفكر ، فيميز بعضها عن بعض بنور العقل ، فيبحث عن خواصها ومنافعها ، ومضارها ، ثم يؤديه إلى القوة الحافظة ، فإن أراد إبرازه قولا سلط عليه القوة الناطقة فيعبر عنه باللسان ، وإن أراد إبرازه فعلا سلط عليه القوة العاملة فتوجده الجوارح « 3 » . وقد ضرب بعض الحكماء « 4 » مثلا لهذه القوى يقرب منه تصور تأثيراتها فقال : إن القوة المفكرة ومسكنها وسط الدماغ بمنزلة الملك يسكن وسط المملكة ، والخيالية ومسكنها مقدم الدماغ جارية مجرى صاحب بريده ، والحافظة ومسكنها مؤخر الدماغ جارية مجرى خازنه ، والقوة الناطقة جارية مجرى ترجمانه ، والعاملة جارية مجرى كاتبه ، والحواس جارية مجرى جواسيسه وأصحاب « 5 » الأخبار الصادقي اللهجات فيما يرفعونه من الأخبار ، فيلتقط كل واحد الخبر من الصقع الذي وكل به فيرفعه إلى صاحب البريد ، وصاحب البريد يسقط منه ما يراه حشوا ، ويرفع الباقي صافيا إلى حضرة الملك فيميزه ويعرف منافعه ومضاره ، ويسلمه إلى خازنه إلى وقت الحاجة فحينئذ يتقدم بإخراجه « 6 » .

--> ( 1 ) في ط ، د زيادة في قبل تعاون ، وفي ط كيفيات بالجمع . ( 2 ) متفاوتة بدلا من متعاونات والمعنى لا يؤيدها . ( 3 ) يلاحظ أهمية تعاون قوى الإنسان ، كما يلاحظ أن الراغب عد اللسان قبلا مع الحواس التي وصفها بأنها « أدون القوى » وهنا ذكر له النطق كعمل هام . ( 4 ) من د فقط لكنها دقيقة . حيث لم يضرب كل الحكماء هذا المثل . ( 5 ) في ط ، د الجواسيس ، ورشحنا ما هنا لتناسبها مع الضمائر السابقة . ( 6 ) يحق هذا المثل ان قصد به أن القوة المفكرة تأتمر بأمر القلب حتى تتوافق مع الحديث -